طلاب الإعلام بين الدراسة النظرية والتدريب العملي أين الخلل…



 عمّان – جامعة الزرقاء

بين القاعات الدراسية واستوديوهات الإعلام، يتزايد الحديث بين طلبة كليات الإعلام في الأردن حول الفجوة بين ما يتلقونه في الجامعة وما يواجهونه في بيئة العمل الحقيقية. فبينما تؤكد الجامعات أنها تعمل على تحديث خططها الدراسية وتطوير مناهجها، يشير الطلبة إلى أن الواقع ما يزال بعيدًا عن طموحاتهم، وأن التعليم الإعلامي بحاجة إلى إعادة نظر جذرية تعكس طبيعة المهنة المتغيرة.


تقول بيسان، الطالبة في إحدى الجامعات الأردنية، إن المشكلة لا تكمن في قلة المواد العملية داخل الخطط فحسب، بل في فعالية هذه المواد وقدرتها على بناء المهارة الحقيقية. وتوضح: "نتعلم الأساسيات داخل الجامعة، لكن عند التدريب في المؤسسات الإعلامية نُفاجأ بأن الكثير مما نتعامل معه يوميًا لم نتعلمه بالتفصيل، وهناك أدوات وتقنيات لم نجرّبها إطلاقًا خلال دراستنا". وترى أن جزءًا من المشكلة يتمثل في طريقة استقبال بعض المؤسسات للطلبة، حيث يتم التعامل معهم بشكل بروتوكولي أكثر منه مهنيًا، ما يحرمهم من فرصة حقيقية لاكتساب الخبرة.


يحيى نبهان من جامعة اليرموك يرى أن الخلل يتجاوز التفاصيل إلى الفلسفة العامة للتعليم الإعلامي. ويعتبر أن الإعلام بطبيعته مهنة تقوم على التجريب والعمل الميداني، لا على الحفظ. ويقول: "المهارة الإعلامية لا تُكتسب من الكتب. المطلوب أن يكون الجانب العملي هو الأساس، بنسبة قد تصل إلى 80% من الخطة الدراسية، لأن ما نمارسه فعليًا خلال التدريب هو ما يرسخ في ذاكرتنا المهنية". ويشير إلى أن معظم المهارات النظرية يمكن تعلمها خلال العمل نفسه إذا كانت بيئة التدريب في المؤسسات الإعلامية أكثر فعالية واستعدادًا لاحتواء الطلبة.


في المقابل، يوضح الدكتور رامز أبو حصيرة، عميد كلية الإعلام في جامعة الشرق الأوسط، أن الجامعات تدرك حجم التحديات وتعمل على مواجهتها من خلال توسيع الشراكات العملية مع المؤسسات الإعلامية، وتحديث بعض مساقات الإنتاج الرقمي والإعلام المتعدد المنصات. لكنه يشير إلى أن التطوير يحتاج إلى وقت واستثمار في البنية التحتية التعليمية، إضافة إلى تدريب أعضاء هيئة التدريس على مواكبة الأدوات الحديثة.


أما الدكتور عبيدة الربابعة، أستاذ الإعلام الرقمي في جامعة البترا، فيعتقد أن تطوير التعليم الإعلامي لا يقتصر على تعديل الخطط الدراسية، بل يشمل تحديث بيئة التعليم نفسها. ويقول إن الطالب بحاجة إلى مختبرات إنتاج متقدمة، واستوديوهات مجهزة، ومساحات تسمح له بالتجربة والخطأ، إلى جانب أساليب تدريس تعتمد على المحاكاة الواقعية لبيئة العمل. ويضيف أن التطور السريع في الإعلام الرقمي يفرض على الجامعات مواكبة متطلبات السوق باستمرار، حتى لا يتخرج الطلبة بمهارات لا تنسجم مع ما يحتاجه المشهد الإعلامي اليوم.


من جانب آخر، يرى الإعلامي علي السيوف أن جزءًا من الفجوة يظهر بوضوح داخل المؤسسات الإعلامية عندما يبدأ الطلبة تدريبهم. ويشير إلى أن بعض الطلبة يفتقرون إلى المهارات الأساسية في التحرير أو استخدام الكاميرا أو إنتاج المحتوى الرقمي، رغم اقترابهم من التخرج. ويؤكد أن المؤسسات تحاول تعويض هذا النقص، لكنها تجد نفسها أمام مسؤولية مضاعفة لتأهيلهم من جديد.


ويوافقه الرأي خالد برماوي، مدير أحد مراكز التدريب الإعلامي في عمّان، الذي يؤكد أن التدريب العملي المكثف هو العنصر الأكثر أهمية في صياغة مهارة الصحفي. ويشير برماوي إلى أن الأكاديميات والمراكز التدريبية تحاول سد الفجوة من خلال برامج تركز على التحرير، والتصوير، وصياغة الأخبار، ومهارات العمل ضمن غرف الأخبار الحديثة، لكن ذلك لا يعفي الجامعات من دورها الأساسي في إعداد الطالب قبل وصوله إلى هذه المرحلة.


ورغم اختلاف وجهات النظر بين الطلبة والأكاديميين والعاملين في الميدان، يتفق الجميع على أن الفجوة بين التعليم والواقع ما تزال قائمة، وأن تجاوزها يحتاج إلى جهد مشترك. فالتعليم الإعلامي في الأردن يقف اليوم أمام لحظة حاسمة، يتطلب فيها إعادة صياغة العلاقة بين الجامعة وسوق العمل بحيث يتحول الطالب من متلقٍ للمعلومة إلى منتج للمهارة. ومع التطور المتسارع في الإعلام الرقمي وتغير طبيعة المهنة، يبدو أن الطريق إلى صحفي جاهز يبدأ من القاعة الدراسية، لكنه لا يكتمل إلا عندما تلتقي هذه القاعة بغرفة الأخبار دون فواصل أو مسافات.


تعليقات

المشاركات الشائعة