مروة… الفتاة التي صنعت من عينها المفقودة بداية لا تُنسى

 


عمّان – جامعة الزرقاء

في أحد مقاهي عمّان الهادئة، ظهرت مروة بملامح هادئة وابتسامة خجولة تحمل خلفها تاريخًا طويلًا من الألم والانتصار. كانت تضع شالًا بسيطًا فوق كتفيها، وتسمح للضوء المتسلل من النافذة أن ينعكس على عينها الزجاجية اللامعة، تلك العين التي تحولت عبر السنوات من مصدر ألم إلى رمز قوة.


لم تكن قصة مروة مجرد حادث عابر، بل نقطة تحوّل غيّرت مسار حياتها. في التاسعة من عمرها، تعرضت لحادث منزلي أفقدها إحدى عينيها. الانتقال المفاجئ بين صدمة الحادث وغرف العمليات تركها في حالة لم تفهمها حينها. ومع أن الوجع الجسدي كان قاسيًا، إلا أن المرحلة التي تلت الحادث حملت تحديات أكبر بكثير.


بعد أسابيع طويلة من البقاء في المنزل، عادت مروة إلى المدرسة محملة بخوف لم تعرف كيف تخفيه. بدلاً من الدعم الذي كانت تتوقعه، وجدت نفسها تواجه نظرات غريبة وتعليقات جارحة تركت أثرًا عميقًا على طفلة ما تزال في بداية حياتها. ومع الوقت، تحوّلت المدرسة من مكان للتعلم واللعب إلى مساحة تشعر فيها بالاختناق. انعزلت، وتجنّبت التصوير، وابتعدت عن المرايا، وكبرت داخلها فكرة أن شكلها لم يعد مقبولًا.


مرت سنوات المراهقة ثقيلة، وكانت مروة تبحث عن طريقة تعيد لها جزءًا من ثقتها. وفي عمر السادسة عشرة، قادتها الصدفة إلى اكتشاف عالم المكياج حين حاولت إخفاء آثار الحادث. تدريجيًا، اكتشفت أن الألوان والفرش تستطيع أن تمنحها شعورًا مختلفًا. لم يكن المكياج مجرد طريقة للتجميل، بل مساحة تستعيد فيها شيئًا من السيطرة على حياتها، ومتنفسًا تعلمت من خلاله أن ترى نفسها من جديد.


تعمقت لاحقًا في المكياج السينمائي، ووجدت في المؤثرات الخاصة نوعًا من التحرر النفسي. كانت تخلق جروحًا وخدعًا بصرية وتعيد ترتيب الملامح وكأنها تروي حكايات عبر الوجوه. هذا العالم أتاح لها أن تنظر إلى جرحها الحقيقي بطريقة مختلفة، وأن تدرك أن الندبة ليست ضعفًا، بل جزء من رواية يمكن سردها بفخر.


وفي لحظة شجاعة لم تخطط لها، قررت أن تُظهر نفسها للناس كما هي. نشرت مقطعًا قصيرًا على وسائل التواصل الاجتماعي ظهرت فيه بعينها الزجاجية دون أن تخفيها. لم تكن تهدف للشهرة، بل كانت تحاول مواجهة العالم الذي أخافها يومًا. لكن الفيديو حصد تفاعلًا واسعًا، وانتشرت قصتها بين الناس الذين أعجبوا بجرأتها.


تدفقت إليها رسائل من فتيات تعرضن لإصابات أو حروق، وأخريات فقدن جزءًا من ثقتهن بسبب التنمر. بعضهن كتبن أنهن رأين في مروة الأمل الذي كنّ يبحثن عنه. ومع هذا الدعم، بدأت مروة تفهم أن الحادث لم يكن نهاية، بل بداية لقصة أكبر. تحولت إلى شخصية مؤثرة تتحدث عن تقبّل الذات وتواجه التنمر برسائل توعية، وتنشر محتوى يُظهر أن القوة ليست في إخفاء الجرح، بل في التصالح معه.


مع مرور الوقت، أصبحت مروة فنانة مكياج محترفة، تقدم ورش عمل وتساعد غيرها على مواجهة الجروح النفسية قبل الجسدية. وجدت رسالتها في المكان الذي ظنّت يومًا أنه سيكسرها. في كل إطلالة لها، كانت تؤكد أن الجمال ليس مرتبطًا بالكمال، بل بالشجاعة على الظهور كما نحن.


حين خرجتُ من اللقاء معها، بقيت صورتها في ذهني: فتاة فقدت عينًا، لكنها وجدت نفسها بالكامل. لم تكن قصتها عن الألم فقط، بل عن القدرة على تحويل الخسارة إلى قوة. في عالم يحكم على الناس من أول نظرة، قررت مروة أن تعيد تعريف النظرة ذاتها. وفي زمن يربط الجمال بالشكل، أثبتت أن الجمال يبدأ من الداخل، من قلب تعلم كيف يقف مهما سقط.


هكذا صنعت مروة من قصتها درسًا، ومن ندبتها بداية جديدة، ومن عينها المفقودة ضوءًا يراه الآخرون قبل أن تراه هي.


تعليقات

المشاركات الشائعة