تحوّل الأسواق إلى التجارة الإلكترونية: كيف تغيّر سلوك المستهلك الأردني
عمّان – جامعة الزرقاء
يشهد السوق الأردني تحولًا واسعًا في سلوك المستهلك مع الانتشار المتسارع للتجارة الإلكترونية، التي لم تعد خيارًا ترفيهيًا، بل أصبحت جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية للناس. وقد تعزّز هذا التحول بارتفاع معاملات الدفع الرقمي في الأردن إلى 27.35 مليار دينار خلال عام 2024، وبأكثر من 224 مليون معاملة إلكترونية، وهو مؤشر واضح على انتقال الجمهور نحو الشراء عبر الإنترنت بدل السوق التقليدية.
يقول د. أشرف باني محمد، أستاذ التكنولوجيا والاقتصاد والسياسات في الجامعة الأردنية، إن التحول نحو التجارة الإلكترونية أصبح «جزءًا من البنية الاقتصادية الحديثة»، لافتًا إلى أن المستهلك الأردني بات أكثر وعيًا ودقة في خياراته، ويميل للمقارنة بين الأسعار والبحث عن المعلومات وسهولة الوصول للمنتج. ويشير إلى أن الدافع وراء الشراء الإلكتروني لم يعد السعر فقط، بل «سرعة الخدمة وتوفّر التفاصيل». ويضيف أن بعض التحديات ما تزال قائمة، خصوصًا ضعف الثقة لدى بعض الفئات، وتفاوت جودة الخدمات اللوجستية. ويؤكد أن نمو المدفوعات الإلكترونية – التي وصلت إلى معدل 84٪ من إجمالي المعاملات المالية – يعكس مدى قابلية المجتمع للتحول الكامل نحو الشراء الإلكتروني.
هذا التحول انعكس بشكل مباشر على أصحاب المحلات التقليدية، يصف تاجر الملابس محمد الحرباوي الواقع الجديد بأنه «ضربة مباشرة» أثرت على مبيعاته بشكل كبير ويقول إن التجارة الإلكترونية سهلت على المستهلك الوصول للسلعة من المنزل، ومع عرض بعض التجار الإلكترونيين أسعارًا أقل بسبب غياب تكاليف الإيجارات والضرائب والعمالة «تراجعت حركة البيع داخل المحلات بشكل ملحوظ». ويوضح أن المنافسة لم تعد مع المحلات الأخرى فقط، بل مع مواقع وصفحات إلكترونية قادرة على البيع بأسعار منخفضة وتوصيل الطلب لباب المنزل، معتبرًا هذه المنافسة «غير عادلة» لأن أغلب التجار الإلكترونيين لا يتحملون الأعباء التشغيلية نفسها.
ومع توسّع التسوق الإلكتروني، شهد قطاع التوصيل قفزة كبيرة. يقول يوسف خلدون، سائق توصيل، إن عدد الطرود ارتفع، لكن الزيادة لم تكن واضحة دائمًا بسبب «الازدحام الكبير في عدد شركات التوصيل والكباتن». ويشير إلى تحديات يومية منها صعوبة ترخيص الشركات، وعدم توفر كباتن مناسبين، إلى جانب مشاكل متكررة مثل عدم وجود المستلم أو ازدحام الطلبات. ويرى أن دخول أشخاص يعملون من دون الانضمام لشركات مرخّصة يجعل المنافسة «غير عادلة». ويؤكد أن اعتماد الأردنيين على تطبيقات الشراء ارتفع بوضوح، وهو ما تعكسه زيادة مستخدمي المحافظ الإلكترونية إلى 2.59 مليون مستخدم، ونمو المعاملات عبرها بنسبة 158٪ خلال 2024.
أما المستهلك، فقصته تعكس جانبًا آخر من الصورة. يقول أمجد معتز محمد، وهو مستخدم دائم للشراء عبر الإنترنت، إن تجربته ليست دائمًا مثالية: بعض السلع تكون «أقل جودة من المتوقع أو مختلفة عن المعروض»، بينما تكون التجربة ممتازة مع متاجر أخرى. ويضيف أنه يفضّل الشراء الإلكتروني لأنه يوفر الوقت، ويتيح الاطلاع على السلع بسهولة من المنزل، بالإضافة لخدمة التوصيل. ويشير إلى مشاكل شائعة مثل تأخر الطرود أو تبديل المنتجات، لكنه يرى أنها أخطاء موجودة أيضًا في المحلات التقليدية.
وبين تجارب المتسوقين، وتحديات التجار، وازدحام قطاع التوصيل، تبدو صورة التحول في السوق الأردني شديدة الوضوح: التجارة الإلكترونية لم تعد ظاهرة مؤقتة، بل أصبحت جزءًا متجذرًا في السلوك الاقتصادي اليومي. ومع استمرار ارتفاع عدد المعاملات الرقمية، وتوسّع استخدام المحافظ الإلكترونية، يبدو أن موقع التجارة الإلكترونية سيزداد قوة في السنوات القادمة، في سوق يتغير بسرعة ويعيد تشكيل علاقة الأردنيين بالاستهلاك.



تعليقات
إرسال تعليق