صنّاع المحتوى الأردنيون: بين الشهرة والمسؤولية

 


عمّان – جامعة الزرقاء 

يشهد المشهد الرقمي في الأردن توسعًا غير مسبوق في عدد صنّاع المحتوى الذين باتوا اليوم جزءًا مؤثرًا في تشكيل الرأي العام وتوجيه اهتمامات الجمهور، وسط تساؤلات حول حدود الشهرة ومسؤولية التأثير بين الرغبة في الوصول السريع وبين الضغط الأخلاقي يعيش المؤثرون معادلة معقدة تحكمها الخوارزميات من جهة وتوقعات المجتمع من جهة أخرى.


تقول صانعة المحتوى ديمة زيتون إن رحلتها في بناء جمهورها لم تكن سهلة فقد واجهت في البداية تحديًا كبيرًا في تحديد نوع المحتوى الذي يلائم الناس ويعبّر عنها في الوقت نفسه. وتشير إلى أن التفاعل كان ضعيفًا في بداياتها، وأنها جرّبت أكثر من نمط قبل أن تجد هويتها الخاصة وتضيف: "الخوارزميات مش دايمًا بتساعد… فيديو يمشي وفيديو ثاني ما يجيب ولا إشي". ومع اتساع قاعدة متابعيها، باتت تشعر بمسؤولية متزايدة تجاه ما تقدمه، مؤكدة أنها تحاول تقديم محتوى محترم بعيد عن الإساءة والتأثير السلبي، خصوصًا على الفئات الصغيرة التي تتأثر بسرعة ولا تخفي ديمة أن الانتقادات جزء أساسي من عملها، فهي تتعامل معها وفق نوايا أصحابها، معتبرة أن النقد البنّاء يطوّرها، بينما التعليقات الهادفة للإحباط تتجاهلها. وتوضح أنها أصبحت أكثر وعيًا بتأثير كلماتها، قائلة: "في فيديوهات بتفرّح الناس أو بتحفزهم، ومرات كلمة بمحل غلط ممكن تزعل حدا… صرت أدقق أكثر". أما عن الضوابط، فتؤيد وجود قوانين واضحة تحمي المستخدمين دون أن تكبح الإبداع.


من جانب آخر، ترى الخبيرة في الإعلام الرقمي اسماء عباس أن اتساع مساحة النشر خلق نوعًا من الارتباك بين الحرية والفوضى، مشيرة إلى أن صانع المحتوى لم يعد مجرد فرد يشارك فيديو؛ بل طرف مؤثر في تشكيل الوعي العام. وتقول: "المشكلة الحقيقية مش بتعدد المنصات، بل بغياب الحدود المهنية. الشهرة اليوم أسهل، بس مسؤوليتها أكبر". وتؤكد الرملي أن جزءًا من الأزمة يكمن في اندفاع بعض صناع المحتوى نحو الترند على حساب المصداقية.


أما د. رُبا زيدان، أستاذ مساعد في الإعلام الرقمي في جامعة البلقاء التطبيقية، فترى أن "التأثير السريع" غيّر مفهوم صناعة المحتوى، ودفع البعض إلى التركيز على الانتشار بدل الجودة. وتشير إلى أن المسؤولية لا تقع على صنّاع المحتوى وحدهم، بل تمتد إلى الجمهور والتشريعات أيضًا. وتضيف: "نحتاج تدريبًا حقيقيًا لصنّاع المحتوى، ونظامًا يوازن بين حرية التعبير وبين حماية المجتمع من المعلومات المضللة أو الخطابات الضارة".


وعلى مستوى الجمهور، تختلف المواقف بين الإعجاب والتحفظ. تقول أمل خالد، 21 عامًا، إنها تستمتع ببعض المحتوى الأردني، لكنها ترى انتشار التقليد والتمثيل المبالغ فيه بشكل مزعج، مضيفة: "بحس إنهم لازم يقدموا إشي مفيد مش بس فيديوهات للترند". بينما يرى يوسف العدوان، 25 عامًا، أن صانع المحتوى بات أشبه بـ"إعلام شخصي" يمتلك قوة تأثير كبيرة، ويشير إلى أن البعض يستخدم هذه القوة بشكل غير مدروس، مطالبًا بوجود ضوابط تحمي المتابعين دون تقييد حرية التعبير.


وبين هذه الآراء المتقاطعة، يبدو المشهد الرقمي الأردني أمام مرحلة جديدة يتداخل فيها الإبداع مع المسؤولية. فصانع المحتوى بات لاعبًا أساسيًا في دائرة التأثير، والجمهور أصبح أكثر وعيًا، بينما تحاول المؤسسات التشريعية مواكبة هذا التطور السريع. وفي ظل هذا التوازن الدقيق، تبقى أهم الأسئلة معلّقة: كيف يمكن لصنّاع المحتوى الحفاظ على هويتهم، دون الانجرار وراء الخوارزميات؟ وهل تستطيع المنصات والقوانين مواكبة سرعة التغيير دون الإضرار بحرية التعبير؟ الإجابة لا تزال مفتوحة، لكنها بلا شك مسؤولية يتشاركها الجميع.


تعليقات

المشاركات الشائعة