تلاعب بأسعار الذهب: لماذا يرتفع فجأة ثم ينهار؟ من يكسب ومن يخسر؟
عمّان – جامعة الزرقاء
شهد سوق الذهب خلال الفترة الأخيرة تقلبات حادة وغير مفهومة بالنسبة للكثيرين؛ ارتفاعات كبيرة خلال أيام قليلة تلتها انهيارات مفاجئة أربكت المستهلكين والتجّار على حد سواء. وبين التحليل الاقتصادي والتساؤلات الشعبية، يبرز سؤال جوهري: هل ما يحدث طبيعي أم أن هناك أطرافًا تتحكم في حركة الذهب لتحقيق مكاسب خاصة؟
يرتفع الذهب عادة لأسباب اقتصادية واضحة، فهو يُعدّ الملاذ الآمن عند الأزمات، لكن البيانات الأخيرة تُظهر أن 2025 شهدت نشاطًا استثماريًا استثنائيًا دفع الطلب لمستويات أعلى. ففي الربع الثاني من 2025 بلغ الطلب العالمي على الذهب حوالي 1,249 طنًا، بارتفاع 3% على أساس سنوي، فيما صعدت القيمة الإجمالية للطلب إلى نحو 132 مليار دولار خلال الربع نفسه، نتيجة زيادة كبيرة في استثمارات صناديق الذهب المضمونة فيزيائيًا. كذلك شهدت صناديق الذهب (ETFs) تدفقات ضخمة بنحو 170 طنًا في ذلك الربع، بينما ارتفع الطلب على السبائك والقطع بنحو 11% (ما أضاف حوالَي 307 طنًا من الطلب). هذه التحركات الاستثمارية الكبيرة كانت مدفوعة بمخاوف اقتصادية وجيوسياسية وعدم اليقين في الأسواق.
بالإضافة لاستثمارات الأسواق، واصلت البنوك المركزية إضافة كميات كبيرة إلى احتياطياتها؛ حتى نهاية الربع الثالث من 2025 أضافت البنوك المركزية مجتمعة ما يقارب 634 طنًا ذهبًا إلى الاحتياطات، ما يعكس استمرار تحول بعض الجهات الرسمية نحو زيادة الوزن النسبي للذهب في موازناتها. هذا الطلب الرسمي يجعل ضغط الشراء على المعدن أكبر ويعطي زخماً للسعر العالمي عندما تتزامن عمليات الشراء مع تدفقات ETF القوية.
لكن جزءًا كبيرًا من التداول في الذهب يحدث على الورق: عقود مستقبلية وصناديق لا تؤدي دائمًا إلى تسليم مادي فوري، مما يفتح المجال أمام تحركات سعرية سريعة ومضاربات إلكترونية. من بين أساليب التلاعب التي رُصِدت في أسواق المال، إدخال أوامر شراء أو بيع وهمية لجذب خفة السوق ثم إلغاؤها (spoofing)، واستغلال مراكز ضخمة في أسواق العقود لتغيير انطباع السيولة والسعر مؤقتًا. هذه الممارسات ليست نظريات فقط؛ فجهات رقابية وصفت حالات وتوقّعت غرامات وتسويات ضد مؤسسات تورّطت في أساليب تشبه هذه في أسواق المعادن والأسهم. نتيجة هذا الخليط من شراء رسمي واستثمار مضاربي، تصبح موجات الصعود حادة وفي كثير من الأحيان متبوعة بموجة بيع سريعة عندما يقرر كبار اللاعبين جني أرباحهم.
المستفيد الأول من هذه التقلبات هم البنوك وصناديق التحوط والمضاربون المؤسسيون الذين يمتلكون أدوات الوصول السريع للسوق وقدرة على تنفيذ مراكز كبيرة. أما المتضرر الأكبر فهو المستهلك العادي الذي قد يشتري الذهب في ذروة الأسعار ثم يخسر عند الهبوط، وكذلك التجّار المحليون الذين ينقلون تقلبات الأسعار مباشرة إلى هوامشهم ومخزونهم. وعلى مستوى التوقعات، رفعت بنوك استثمار كبرى توقعاتها لأسعار الذهب في 2025؛ على سبيل المثال غلّت جولدمان ساكس توقعها لسعر الأونصة إلى حوالَي 3,700 دولار بنهاية 2025 مستندة إلى ارتفاع شراء البنوك المركزية وتدفّقات ETF، بينما أضافت مؤسسات أخرى تبريراتها للتوقعات العالية استنادًا إلى الضبابية الاقتصادية والتوترات الجيوسياسية. مثل هذه التوقعات نفسها تزوّد المضاربين حجة إضافية للدخول بقوة في السوق.
بعد موجات الارتفاع عادة ما يبدأ كبار المتداولين في البيع بكميات كبيرة لجني الأرباح، فينهار السعر بسرعة كبيرة، فتتحول الزيادة في السعر إلى ارتفاع مؤقت ثم تصحّح السوق نفسه عندما يخسر الزخم الاستثماري. لذلك، تبدو حركة السعر مزيجًا من قوى اقتصادية حقيقية (طلب رسمي واستثماري) ومن مضاربات سوقية قد تُسرّع الحركة وتُكثف تذبذبها.
التعامل مع الذهب في ظل هذه الظروف يتطلب وعيًا وحذرًا؛ من الأفضل تجنّب الشراء عند الاعتياد على الذروة، ومتابعة تقارير الطلب الرسمية كـتقارير مجلس الذهب العالمي وبيانات البنوك المركزية، وفهم أن جزءًا كبيرًا من حركة السوق يقوده استثمار ورقِي وليس استهلاكًا فعليًا. كما يفضّل من يريد استثمارًا طويل الأمد التوجّه إلى الذهب المادي المخصص (allocated) بدلاً من الحسابات غير المخصّصة أو بعض أنواع ETFs إذا كان القلق حول مخاطر الطرف المقابل حاضرًا. للتجار ينصح بالتحوط وإدارة المخزون بمرونة لتقليل أثر التصحيحات السريعة.
في النهاية، بين الأرباح الكبيرة التي يجنّها كبار اللاعبين والخسائر التي يتحمّلها المستهلك المحلي، يظل فهم آليات الطلب في 2025 — من تدفقات ETF إلى مشتريات البنوك المركزية — أمرًا ضروريًا لكل من يقرر الدخول إلى سوق الذهب أو اتخاذ قرار شراء.



تعليقات
إرسال تعليق